الذهبي
74
سير أعلام النبلاء
وألتذ إن مرت على جسدي يدي * لأني في التحقيق لست سواكم فنعوذ بالله من الضلال . قال ابن الأعرابي : مضيت يوما ، أنا ورويم وأبو بكر العطار نمشي على شاطئ نهر ، فإذا نحن برجل في مسجد بلا سقف . فقال رويم : ما أشبه هذا بأبي الحسين النوري ! فملنا إليه ، فإذا هو هو ، فسلمنا وعرفنا ، وذكر أنه ضجر من الرقة فانحدر ، وأنه الآن قدم ولا يدري أين يتوجه ، وكان قد غاب عن بغداد أربع عشرة سنة ، فعرضنا عليه مسجدنا فقال : لا أريد موضعا فيه الصوفية ، قد ضجرت منهم ، فلم نزل نطلب إليه حتى طابت نفسه . وكانت السوداء قد غلبت عليه ، وحديث النفس ، ثم ضعف بصره ، وانكسر قلبه ، وفقد إخوانه ، فاستوحش من كل أحد . ثم إنه تأنس وسألنا عن نصر بن رجاء ، وعثمان ، وكانا صديقين له ، إلا أن نصرا تنكر له ، فقال : ما أخاف بغداد ، إلا من نصر ، فعرفناه أنه بخلاف ما فارقه ، فجاء معنا إلى نصر ، فلما دخل مسجده ، قام نصر وما أبقى في إكرامه غاية ، وبتنا عنده ، ولما كان يوم الجمعة ، ركبنا مع نصر زورقا من زوارقه إلى مكان ، وصعدنا إلى الجنيد ، فقام القوم وفرحوا ، وأقبل عليه الجنيد ، يذاكره ويمازحه ، فسأله ابن مسروق مسألة ، فقال : عليكم بأبي القاسم ، فقال الجنيد : أجب يا أبا الحسين ، فإن القوم أحبوا أن يسمعوا جوابك ، قال : أنا قادم وأنا أحب أن أسمع ، فتكلم الجنيد والجماعة ، والنوري ساكت . فعرضوا له ليتكلم ، فقال : قد لقبتم ألقابا لا أعرفها ، وكلاما غير ما كنت أعهد ، فدعوني حتى أسمع ، وأقف على مقصودكم ، فسألوه عن الفرق الذي بعد الجمع : ما علامته ؟ وما الفرق بينه وبين الفرق الأول ؟ لا أدري سألوه بهذا اللفظ أو بمعناه .